السيد محمد الصدر

162

منة المنان في الدفاع عن القرآن

التوكيد التي تجعل المضارع نصّاً في الاستقبال وتحذف منه معنى الحال ، وهو من التنبّؤ بالمستقبل ، وتنبّؤات القرآن ليست كثيرةً ، ولكنّها موجودةٌ ، من قبيل قوله تعالى : وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ « 1 » . إلّا أنَّه في حديثنا عن قوله تعالى : لَتَرْكَبُنَّ ليس تنبؤاً بحادثةٍ معيّنةٍ ، بل بمجموعة حوادث أو أحوالٍ ؛ لأنَّ الخطاب لمجموع الناس ، ومجموع الناس كثيرون ، فلا يعني أنَّهم يمرّون بحالةٍ واحدةٍ ، وإنَّما هم كثيرون مكاناً وكثيرون عدداً وكثيرون زماناً ، فلا معنى لأن نختار لهم حالةً واحدةً ، فحينئذٍ يكون هذا التنبّؤ الذي هو ( لتركبن ) واضح الصحّة . فالجماعات إذا لوحظت بكثرةٍ فلابدّ أنَّ كثيراً منهم يتمرّض أو يفترق أو يبتلى أو يسجن أو يقتل أو أيّ شيء يتوقّع من بلاء الدنيا ، ف - ( لتركبن ) حالًا بعد حالٍ . وإذا فسّرناها على أنَّ الإنسان يُولد طفلًا ثُمَّ يصير شابّاً ثُمَّ شيخاً ، ثُمَّ يموت ثُمَّ يبعث ، ثُمَّ كذا وكذا ، فهذا أيضاً كقانونٍ عامٍّ يراه الناس أجمعين ؛ إذ العمر في الحياة الدنيا ممّا يراه الناس أجمعين . فحينئذٍ نقول : لماذا هذا التأكيد ؟ والمشهور ترك تفسير ذلك ، ولم يذكر سبب التوكيد . والجواب : أنَّ ذلك لعدّة وجوهٍ : الوجه الأوّل : أهمّيّة الأمر الذي حصل فيه التنبّؤ ؛ فإنَّه ما دام مهمّاً جدّاً ، فبمقدار أهمّيّته نؤكّده ، وإن كان واضحاً ، ولكنّنا نؤكّده لأجل التخويف منه ولأجل إبراز أهمّيّته . الوجه الثاني : أنَّ ذلك من قبيل قول أمير المؤمنين ( ع ) : ) ما خلق الله عزّ

--> ( 1 ) سورة الروم ، الآية : 3 .